مرتضى الزبيدي
320
تاج العروس
إِسحَاقَ ، اخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِن أَهلِ اللغةِ وإِذ وَعَدْنَا بغير أَلفٍ وقالوا : إِنما اخْتَرْنَا هذا لأَن المُوَاعَدَة إِنما تَكُونُ مِن الآدمِيّينَ ، فاختارُوا وَعَدْنَا وقالَوا : دليلنا قولُ الله تعالى " إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ " ( 1 ) وما أَشبَهَه ، قال : وهذا الذي ذَكَرُوه ليس مِثْلَ هذا . وأَمّا وَاعَدْنَا هذا فَجيِّدٌ ، لأَن الطَّاعَةَ في القَبُولِ بمَنْزِلةِ المُوَاعَدَةِ فهو من الله وعْدٌ ومِن مُوسى قَبُولٌ واتِّبَاعٌ ، فَجَرَى مَجْرَى المُواعَدَة ، وقد أَشارَ له في التهذيبِ والمُحكم ، ونُقِل مثلُ ذلك عن ثَعْلَبٍ . تكميل : قالوا : إِذا وَعَد خَيْراً فلم يَفْعَلْه قالوا : أخْلَفَ فُلانٌ ، وهو العَيْبُ الفاحِش ، وإِذا أَوْعَدَ ولم يَفْعَلُ فذلك عندهم العَفْوُ والكَرَمُ ، ولا يُسَمُّون هذا خُلْفاً ، فإِن فَعَلَ فهو حَقُّه ، قال ثَعْلبٌ : ما رَأَيْنَا أَحَداً إِلاَّ وقولُه إن الله جلَّ وَعَلاَ إِذا وَعَدَ وَفَى وإِذا أَوْعَدَ عَفَا ، وله أَن يُعَذِّب . قاله المُطرّز في الياقوت ، وحَكَى صاحبُ المُوعب عن أَبي عمرِو بنِ العَلاَءِ أَنه قال لعَمْرِو بن عُبَيْدٍ إِنّك جاهِلٌ بلُغةٍ العَرَب ، إِنهم لا يَعُدُّونَ العَافِيَ مُخْلِفاً ، إِنما يَعُدُّون مَن وَعَدَ خَيْراً فلم يَفْعَلْ مُخْلِفاً ، ولا يَعُدُّونَ مَن وَعَدَ شَرًّا فعَفَا مُخْلِفاً ، أَمَا سَمِعْت قولَ الشاعرِ : وَلاَ يَرْهَبُ المَوْلَى ولاَ العَبْدُ صَوْلَتِي * وَلاَ اخْتَتِي مِنْ صَوْلَةِ المُتَهَدِّدِ وإِنِّي وإِنْ أَوْعَدْتُه أَوْ وَعَدْتُه * لَمُخْلِف إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وقد أَوْسَع فيه صاحبُ المُجْمل في رِسَالةٍ مُخْتَصَّةٍ بالفَرْق بين الوَعْد والوَعِيد ، فراجِعْهَا . واختُلِف في حُكْم الوفَاءِ بالوَعْد ، هل هو واجِبٌ أَو سُنَّة ؟ أَقوالٌ . قال شيخُنَا : وأَكثرُ العلماءِ على وُجوبِ الوفَاءِ بالوَعْدِ وتَحْرِيمِ الخُلْفِ فيه ، وكانَت العرَبُ تَستَعِيبه وتَسْتقْبِحه ، وقالوا : إِخْلافُ الوَعْد من أَخلاق الوَغْد ، وقيل : الوَفَاءُ سُنَّة ، والإِخلاف مكروهٌ ، واستَشْكَلَه بعضُ العلماءِ ، وقال القاضي أَبو بكر بن العَرَبيّ بعد سَرْدِ كلامٍ : وخُلْفُ الوَعدِ كَذِبٌ ونِفاقٌ ، وإِن قَلَّ فهو مَعْصِيَةٌ ، وقد أَلَّف الحافِظُ السَّخَاويُّ في ذلك رِسَالَةً مستقِلَّة سمَّاهَا الْتِمَاس السَّعْد في الوَفَاءِ بالوَعْد جمعَ فيها فأَوْعَى ، وكذَا الفقيه أَحمد بن حَجَر المَكِّيّ أَلَمَّ على هذا البَحْثِ في الزَّواجِر ، ونَقلَ حاصِلَ كلامِ السَّخاوِيّ بِرُمَّتِه ، فراجِعْه ، ثمّ قال شيخُنَا : وأَمَّا الإِخْلافُ في الإِيعاد الذي هو كَرَمٌ وعَفْوٌ فمُتَّفَقٌ على تَخَلُّفِه والتمدُّحِ بِترْكِه ، وإِنما اختَلَفوا في تَخَلُّفِ الوَعِيدِ النِّسْبَة إِليه تَعالَى ، فأَجَازَه جَمَاعَة وقالُوا : هو من العَفْوِ والكَرَمِ اللائقِ به سُبْحَانَه . ومَنَعَه آخَرُونَ ، وقالوا : هو كَذِبٌ ومخَالِفٌ لقَوْلِه تَعالى " مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ " ( 2 ) وفيه نَسْخُ الخَبَرِ ، وغير ذلك ، وصُحِّح الأَوَّلُ وقد أَورَدَهَا مبْسُوطَةً أَبو المُعِين النَّسفيّ في التَّبْصِرَة ، فراجِعْهَا ، والله أَعلَمُ [ وغد ] : الوَغْدُ : الصَّبِيُّ . الوَغْدُ : خادِمُ القَوْمِ وقد وَغَدَهم يَغِدُهُم وَغْداً : خَدَمَهم ، وقيل : هو الذي يَغِدُهُم وَغْداً : خَدَمَهم ، وقيل : هو الذي يَخْدُم بِطَعَامِ بَطْنِه . كذا في الأَساس ( 3 ) واللسان ، وفي شَرْحِ لامِيَّة الطغْرائِيّ عند قَوْله : مَا كُنْتُ أُوثِرُ أَنْ يَمْتَدَّ بِي زَمَنِي * حَتَّى أَرَى دَوْلَةَ الأَوْغَادِ والسَّفَلِ قال : الأَوْغَاد : جَمْعُ وَغْدٍ ، وهو الدَّنِئُ الذي يَخْدُم بِطَعَامِ بَطْنِه . وقيل : هو الذي يأْكُلُ ويَحْمِل ، وأَمّا الوَغْلُ ، باللام ، فهو الضعيفُ الخَامِلُ الذي لا ذِكْرَ لَه ، أَوْغَادٌ وُغْدَانٌ بالضمّ ، وهذه عن الصاغانيّ ، ووِغْدَانٌ بالكَسْر ، يقال : هو من أَوْغَادِ القَوْمِ ووُغْدَانِهم ، ووِغْدانِهم ، أَي من أَذِلاَّئِهم وضُعَفائهم . والوَغْدُ : ثَمرُ البَاذِنجَانِ كالمُغْدِ ، وقد تقدَّم مِراراً أَن المُصنِّف لم يَذْكر الباذِنْجَان في مَوْضِعه ، كأَنَّه لشُهْرَته ، وفيه تأَمُّلٌ . الوَغْدُ قِدْحٌ مِن سِهَام المَيْسِر لا نَصِيبَ له ، ومُقْتَضَى عِبَارَةِ الأَساس أَنه الأَصل وما عَدَاه مِن المعاني راجِعَةٌ إِليه ، كالدَّانِئِ والخَسِيسِ والذَّلِيلِ الصَّبِيِّ . من ذلك الوَغْدُ : العَبْدُ ، قال أَبو حاتمٍ : قلت لأُم
--> ( 1 ) سورة إبراهيم الآية 22 . ( 2 ) سورة ق الآية 29 . ( 3 ) كذا ، والعبارة ليست في الأساس ، ولعله يريد " في الصحاح واللسان " .